Deprecated: mysql_connect(): The mysql extension is deprecated and will be removed in the future: use mysqli or PDO instead in /home/belal/public_html/_Bin/includes/db/mysql.php on line 31
شبكة آل الحريري

كلمة الشيخ محمد سرور بن نايف زين العابدين

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:

أتاحت لي الظروف فرصة التعرف على شيوخ آل الحريري منذ صغري، وتحديداً منذ سن السابعة، وذلك لسببين رئيسين:

الأول: كنت أوثر الجلوس مع الضيوف وكبار السن في المضافة على اللعب مع أترابي، وفيما كنت أساعد في تقديم الخدمات لهم، كنت أستمع إلى أحاديثهم -غثها وسمينها- وأحفظها، وقد بادلني الضيوف الاهتمام بمثله فاختصني بعضهم بأحاديث عن ماضيهم، ولقنني البعض منهم شعراً شعبياً فيه من الفكاهة والهجاء.

الثاني: كان والدي يصطفيني من بين إخواني في أسفاره، وتسير الأمور على المنطق القديم حتى نعود من سفرنا.

وكانت وسيلة النقل هي الخيول، فالسيارات لم تكن مشهورة ولا تتحملها طرقاتنا الترابية، ومن بين هذا الكم الكبير من وجهاء آل الحريري، فإني أعتز بتعرفي على شخصيتين مهمتين:

الأولى: شيخ مشايخ حوران إسماعيل الحريري، وكان مشهوراً بإسماعيل الترك، فعندما دخلنا مجلسه العامر قُدمت القهوة لوالدي ثم أخذه من يده ودخل به مجلساً آخر مجاوراً للأول ومعد لكبار الضيوف، وكنت أول وآخر مرة أرى هذا المجس رغم دخولي المتكرر على هذا المنزل الكريم فيما بعد.

وكان والدي قد جاء لقضية من القضايا لا تهم القراء، ومن جهتي فقد استوعبت والحمد لله كل ما دار بينهما من حديث، مع محافظتي التامة على سرية الجلسة وعدم الحديث فيها. غير أن الذي أذكره جيداً أن لسان الرجل كان لا يفتر عن ذكر الله تعالى.

ثم تنامت عندي المعلومات عن “أبي خليل” كما كان يكنى، مع أن له ولدين: محمد خير الذي تولى زعامة آل الحريري كما تولى زعامة حوران منذ وقت مبكر في حياة أبيه، وكان أهلاً لها، والابن الثاني هو: سالم الذي لم يشتهر إلا في أوساط قليلة.

وعندما أصبحت من المغرمين بكتب التاريخ السياسي والمذكرات قرأت الكثير عن إسماعيل الحريري، ومن أبرز مواقفه لقاؤه مع المندوب الفرنسي، وكان معه مجموعة من شيوخ حوران. ذكرني والله هذا اللقاء بمواقف السلف الصالح مع الطغاة والمشركين، فقد كان أبياً قوياً عزيز النفس لا يتهاون أمام المندوب الفرنسي بكلمة واحدة، ومن شاء فليعد إلى كتاب للدكتور محمود عبيدات (لا يحضرني عنوان الكتاب) تحدث فيه المؤلف عن مواقف أهل حوران من الاستعمار الفرنسي، كما أشار إلى هذا اللقاء - ولو باقتضاب- محمد كرد علي في كتابه: “خطط الشام”.

أما الشخصية الثانية فهو عبد المحسن زين العابدين، وكانت والدتي تحدثني عنه كثيراً، وكنت أسمع من أقربائي في قريتنا الحديث عنه وعن اهتمامه بالنسب.

وذات يوم زارنا عبد المحسن فاستقبله الأقرباء أحسن استقبال، وكان النسب هو موضوع الحديث، وأكثره لم أفهمه لصغر سني، ولم يكن من أولويات اهتمامي آنذاك، بل كنت أنظر باهتمام إلى شكله ومظهره والبغلة التي كان يركبها، كما كنت أنظر بشغف إلى يده التي تشير إلى آثار معركة بينه وبين ابن عمه: جدي حامد سليمان، التي طالما حدثتني والدتي وخالي يوسف عن وجهة نظرهما في أحداثها. ثم سمعت وجهة نظر أبناء عبد المحسن حول تلك القصة فيما بعد. وهي على العموم من حوادث وصراعات الشباب.

كنت بعد هذا اللقاء أتساءل: ما الذي دعا هذا الرجل من بين الفلاحين الحوارنة إلى التنقل ما بين المحافظات السورية وخارجها، وما الذي دعاه للسفر إلى اسطنبول؟ لا شك أنه كان صاحب همة كبيرة وعزيمة قوية، فقد كان شيخاً لبلدة إنخل، كما كان يسكن في دمشق، واشترك مع أبناء عمومته وأهله الحوارنة في الثورة ضد المستعمرين الفرنسيين، وكان من بين الذين التجأوا إلى الأردن بعد أن ضربت الطائرات الفرنسية منزله، ونال أبناءه الصغار الضنك والعوز، فصبروا واحتسبوا منتظرين عودة أبيهم. كما جرى اعتقاله والزج به في سجن المزة مع كبار السياسيين. ومن المؤسف أن رجلاً سياسياً رفيع المستوى مثل حسن الحكيم تساءل في مذكراته عن سر اعتقال عبد المحسن زين العابدين، وهل كان عميلاً لفرنسا يتجسس على نزلاء السجن!

غفر الله للحكيم ولأمثاله الطيبين الذين ينظرون لكثير من غيرهم نظرة فوقية، فعبد المحسن مجاهد وليس الحكيم أهم منه في هذا الميدان، ولكن الظروف رفعت الثاني إلى سدة المسؤوليات حتى أصبح رئيساً للوزراء، وهو أهل لذلك لأنه أمين ومستقيم ومحافظ على صلاته وصيامه -وهذا نادر بين السياسيين- بينما الأول بقي مجهولاً في عالم السياسة. ومن المفارقات العجيبة أن هذا الذي نظر لعبد المحسن نظرة فوقية.. جاء خالد العظم في مذكراته فلمزه وقلل من شأنه لأنه من طبقة لا تساوي طبقة العظم، وكما تدين تدان.

حسن الحكيم يعترف في مذكراته بدور أبناء عمومة عبد المحسن في ميدان الجهاد ضد المستعمر الفرنسي، ومن الأسماء البارزة التي يذكرها -ولكن باقتضاب- محمد ذيب المنوخ الحريري. وهذا المجاهد أعرفه جيداً، فقد كان يتردد علينا في قريتنا، ويلتف الأقرباء حوله، وأنا أحدهم ويحدثنا عن جهاده ضد المستعمرين الفرنسيين في سورية، وضد الصهاينة والمستعمرين الانكليز في فلسطين وأظن أنه كان يقصد مرحلة الثلاثينيات من القرن الماضي… أنا أتذكر بعض ما علق بذاكرتي مما كنت أسمعه منه وأتساءل: هل كان هذا الرجل العامي درس وسمع الأفلام البوليسية؟ وكيف كان يتقن أسلوب القصاصين الجذاب. لو كان المنوخ من غير قومي لصنعوا منه أسطورة، ولأغدقوا عليه ألقاباً وأوصافاً لا يصنعها إلا الخيال الخصب، لكن المنوخ رحمه الله عاش فقيراً متعففاً، وكذلك عاشت عائلته من بعده.

أعود بعد هذه الذكريات إلى الحديث عن النسب الذي رافقنا ذكره، والاستماع للذين يتحدثون منذ نعومة أظفارنا. لقد قرأته ملياً، ولفت انتباهي أن الخطوط بدأت تتآكل، وأن قليلاً من الأسماء التي أعرفها فيها أخطاء، ولعل جامع النسب كان قد تقدم به السن فالتبست عليه الأمور.كما لفت انتباهي أن النسب لم يُخدم خلال قرن من الزمن وزيادة.

كان أول ما فعلته أنني دفعته لبشير وابن عمه نجم (أبي حمزة) وقلت لهما نريد أن يكون كتاباً جاهزاً للطباعة، وقاموا بالمهمة خير قيام. ثم دفعت الكتاب وصورة عن شجرة النسب لبشير وقلت له: هذا يدخل ضمن اختصاصك -لا سيما أنه مارس هذا الجهد وحقق أكثر من مخطوطة- كما قدمت إليه ما تجمع لدي من رسائل الأقرباء ومن ملحوظات تجمعت عندي، وكنت أجيبه عن كل سؤال إذا كان عندي علم به، واستغرق الجهد منذ بدايته حوالي عشرين عاماً.

أترك لبشير أن يتحدث عن هذا الجهد الذي بذله، وأنا مقتنع به الاقتناع كله، وأعترف أن أمثالي لا يستطيعون القيام به.

وفي الختام أقول: نحن جميعاً مطالبون بمعرفة أنسابنا وصلة أرحامنا. والنسب وحده لا يدخل الإنسان الجنة ولا ينقذه من النار إن كان من أهلها.. ومعارك رسول الله صلى الله عليه وسلم الأولى كبدر، وأحد، والخندق، وحنين كانت مع عشيرته وأبناء عمومته.

اللهم لا تكلنا لأنفسنا ولا لنسبنا طرفة عين، واغفر لنا وارحمنا، إنك سميع مجيب.

محمد سرور بن نايف زين العابدين